كيف يمكن للعراق دعم سوريا ما بعد الأسد؟

تُوفّر أوجه التشابه الاجتماعي والثقافي التاريخية بين الشعبين العراقي والسوري منصةً طبيعية للتعاون بين الجامعات العراقية والسورية، ومراكز الأبحاث، والمفكّرين، والفنّانين، والمجتمعات المدنيّة.

بقلم: كاوه حسن

لقد مثّل الانهيار  المفاجئ  لعائلة الأسد في سوريا، نقطة تحوُّل اساسية في الشرق الأوسط. فمن المعروف أن جميع الجهود الرامية إلى الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى نماذج حكم تمثيلية وديمقراطية هي عمليات معقّدة، غير أنّ التحوّل في سوريا قد يكون الأكثر صعوبة في التاريخ الحديث، نظراً للسرعة التي سقط بها نظام بشار الأسد وللتحدّيات الداخلية والخارجية الكبيرة التي تواجه سوريا.

ثمّة كثير من الامور ممكن ان يسوء، فرغم المحاولات المبكّرة التي بذلتها حركة «هيئة تحرير الشام» السلفية السنّية المنتصرة للتواصل مع الدول الغربية والقوى الإقليمية، وسعيها إلى استيعاب الأقليات العرقية وبقايا النظام السابق، فإنّ سوريا معرّضة للانزلاق نحو حربٍ أهليةٍ جديدة تحمل تبعات كارثية تتجاوز حدودها.

ينبغي على الفاعلين الدوليين والإقليميين، ولا سيما العراق، اغتنام هذه الفرصة النادرة والانخراط مع الحكام الجدد من دون ترسيخ هيمنة «هيئة تحرير الشام»، ورغم صعوبة هذا الأمر، فإنه يبقى ممكناً في ضوء حاجة الحركة إلى الاعتراف الدولي، وتخفيف العقوبات، وإعادة الإعمار. كما أن على القوى الخارجية أن تتعلّم من الأخطاء في تجارب مماثلة، مثل أفغانستان، فتطرح مطالب واضحة ومحدّدة زمنياً وواقعية فيما يتعلق بالحكم الرشيد والعدالة الانتقالية، مقابل تخفيف العقوبات بطريقة تعود بالفائدة على الشعب السوري واقتصاده.

يكتسب دور جارِ سوريا، العراق، أهميةً خاصة في هذه المرحلة. فقد اتّسم نهج بغداد حتى الآن بالحذر، إلا أنّ العراق بحاجةٍ ماسّة إلى استراتيجيةٍ تجاه سوريا تتجاوز المخاوف الأمنية المشروعة.

وعلى غرار بقية العالم، صُدمت النخبة الحاكمة في العراق بالانهيار السريع لنظام الأسد، ففي وقت مبكر، دافعت الحكومة العراقية والجماعات القريبة من إيران عن النظام السوري، وشبّهت الهجوم الذي شنّته «هيئة تحرير الشام» بعملية الاستيلاء الخاطف التي نفّذها تنظيم داعش في عام 2014، حين سيطر على ثلث الأراضي العراقية، وعمد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تحصين الحدود العراقية، وحاول النأي بالعراق عن الصراع، إذ رفض الاستجابة لدعوات بعض القوى الشيعية في الائتلاف الحاكم والجماعات القريبة من إيران بالتدخل العسكري دعماً للأسد، ومع ذلك، عبرت بعض تلك الجماعات الحدود إلى سوريا، وقبل يومين من سقوط دمشق، استضاف وزير الخارجية العراقي نظيريه السوري والإيراني في بغداد، وأدان الهجمات التي شنّتها «هيئة تحرير الشام» وحلفاؤها، كما أعلن خططاً لعقد مزيد من الاجتماعات مع الدول الاقليمية المتأثرة من التطورات المتسارعة في سوريا.

يمثل تركيز بغداد على الجانب الأمني أمراً مفهوماً، نظراً لارتباط زعيم «هيئة تحرير الشام» أحمد الشرع بتنظيمي القاعدة وداعش، وما خلّفته هذه الجماعات من دمارٍ في العراق، إضافةً إلى صعوبة الانتصار الذي حقّقه العراق على داعش، واستمرار التهديد المتمثل في عناصر داعش المحتجزين لدى «قوات سوريا الديمقراطية» الكوردية شمال شرقي سوريا. غير أنّ سياسة الحكومة العراقية بدأت تتطوّر تدريجياً، وبحذر، نحو الانخراط مع الإدارة السورية الجديدة، ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2024، التقى رئيس جهاز المخابرات العراقي بأحمد الشرع في دمشق، وبحسب تقارير، تناول اللقاء القضايا الأمنية، وحماية الحدود العراقية، وإطلاق سراح أفراد من الجماعات العراقية المحتجزين في سوريا، ووفقاً لمصادر مطّلعة تحدّثت إلى كاتب هذه المقالة، يوجد الآن تواصلٌ وتنسيقٌ منتظمان بين الأجهزة الأمنية العراقية والسورية بشأن تهديد داعش وحماية الحدود.

ومع ذلك، ما زالت سياسة العراق الحالية تجاه سوريا متأخرة كثيراً عن الدبلوماسية الديناميكية التي تنتهجها عدد من الدول العربية وتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد سارع هؤلاء جميعاً إلى إرسال كبار الدبلوماسيين إلى دمشق، وتقديم المساعدات الإنسانية، والانخراط مع دمشق في قضايا تتجاوز الشواغل الأمنية. فعلى سبيل المثال، تسعى السعودية إلى حشد الجهود الإقليمية والدولية لدعم الانتقال في سوريا والدفع باتجاه رفع العقوبات، في حين تعهّدت قطر بتقديم ضخٍّ كبيرٍ للأموال لتعزيز رواتب موظفي الحكومة السورية.

ورغم المخاطر التي تتهدّد أمن العراق، فإن سقوط الأسد يُمثِّل فرصة فريدة للعراق والمنطقة بأسرها لمساعدة السوريين في بناء دولةٍ جديدةٍ تمثيليّةٍ وشاملة (حتى وإن لم تكن ديمقراطية بالكامل)، وفي سلامٍ مع نفسها وجيرانها. وبالنسبة لمعظم العراقيين، فإن نهاية حكم عائلة الأسد تعني زوال نظامٍ زعزع استقرار العراق بعد سقوط صدام من خلال تصدير الإرهاب والكبتاغون، وقد رحّب بعض القادة العراقيين، ومنهم رجل الدين النافذ مقتدى الصدر ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي والرئيس الأسبق برهم صالح، بسقوط الأسد ودعوا إلى انخراطٍ عراقيٍّ فعّال مع “سوريا الجديدة”، وفي المقابل، عارضت الجماعات القريبة من إيران وبعض القوى الشيعية النافذة هذا التحوُّل الجذري في دمشق، لخسارتها مساراً استراتيجياً لنقل الأسلحة والأموال إلى حزب الله في لبنان.

لقد مزّق حكم الأسد الدكتاتوري المجتمع السوري، وقمع النمو الطبيعي للمجتمع المدني، وقوّض الحياة السياسية، ومع ذلك، أدّت الانتفاضة التي اندلعت عام 2011 إلى ظهور نواةٍ لمجتمعٍ مدنيٍّ داخل البلاد وفي المهجر. ونظراً لانشغال الحكومة العراقية والنخب الحاكمة بمشكلاتها الطائفية والسياسية الداخلية بعد سقوط صدام حسين عام 2003، ودعمها للنظام السوري خلال انتفاضة عام 2011، فقد باتت معرفة العراق بسوريا محصورة إلى حدٍّ كبيرٍ بالتهديد الأمني الذي مثّلته تنظيمات داعش وجبهة النصرة وغيرها من الجماعات السلفية الجهادية.

وقد أدّى هذا الانفصال إلى فجوةٍ كبيرةٍ في معرفة العراق بشرائح المجتمع المدني السوري الناشئ، التي لا تنتمي لتيّاراتٍ دينية، وناهضت كلاً من الأسد والفصائل الإسلامية على حدٍّ سواء، وذلك وفقاً لمقابلات أجراها كاتب هذه المقالة مع خبراء ومحلّلين وناشطين سوريين متعدّدين، بالإضافة إلى خبراء عراقيين، ولا يستثنى من ذلك سوى إقليم كوردستان العراق الذي استضاف لاجئين سوريين، ووفّر مساحةً لعمل المجتمع المدني السوري والمنظمات الدولية التي تقدّم المساعدات الإنسانية لشمال شرق سوريا.

وقد شدّد سوريون وعراقيون ممن أُجريت مقابلات معهم على الحاجة الماسّة إلى إقامة قنوات تواصل لردم الفجوة المعرفية ووضع تصوّرٍ مشتركٍ للسياسات المستقبلية للعلاقات بعد مرحلة الأسد. وتبرز مجالاتٌ للتعاون المشترك في الاقتصاد والتجارة والثقافة والتغيّر المناخي والتعليم العالي والجيوبولتيك، ويمكن للسوريين الاستفادة من تجربة العراق في مرحلة ما بعد صدام، سواء تعلّق الأمر بنجاحاتها أو إخفاقاتها.

لقد أدت الشكوك العميقة لدى الحكومة العراقية والنخب تجاه الإدارة التي تقودها «هيئة تحرير الشام» إلى التساؤل حول مدى رغبة أحمد الشرع وقدرته على السيطرة على العناصر الراديكالية والمقاتلين الأجانب ضمن الهيئة، وبناء دولةٍ جامعةٍ للجميع، وفي هذا الصدد، يمكن للحكومة السورية المؤقّتة طمأنة القادة العراقيين عبر سياساتٍ ملموسة لمكافحة داعش وضمان أمن الحدود المشتركة بين العراق وسوريا.

وبحسب خبير عراقي تحدّث إلى كاتب هذه المقالة شرط عدم الكشف عن هويته، فإن الحكومة العراقية تنتظر نتائج مؤتمر حوار وطني مُرتقب لتحديد الخطوات التالية في التعامل مع دمشق. وتُمثّل طبيعة النظام السياسي المتشظي في العراق تحدّياً أمام صياغة وتنفيذ رؤيةٍ موحَّدة للسياسة الخارجية تتجاوز المسائل الأمنية الصارمة، وتشمل القضايا الخلافية الرئيسية سلاح الجماعات القريبة من إيران، والسياسة الأميركية في عهد إدارة ترامب تجاه إيران والعراق، والأهم من ذلك تأثير مسار الصراع الإيراني-الإسرائيلي في مستقبل العراق.

وسيكون من الصعب تطبيق استراتيجيةٍ تجاه سوريا لا تتأثّر بمواقف إيران وحلفائها، وبحسب تقارير إعلامية ومصادر مطّلعة على الزيارة، كانت اللقاءات الأخيرة لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني مع القادة الإيرانيين في طهران «مخيّبة للآمال» بسبب اعتراض إيران على حلّ الجماعات المسلّحة ودمجها في صفوف القوات الأمنية العراقية، غير أنّ الحكومة العراقية قد تحظى بهامشٍ من المناورة في ما يتعلّق بالانسحاب المقرّر للقوات الأميركية، والذي يعكس تراجع نفوذ إيران وحلفائها في ضوء الانجازات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ومن المستبعد أن يكون العراق في صدارة الجهود الدبلوماسية الإقليمية تجاه سوريا، ومع ذلك، يمكن لبغداد أن تؤدّي دوراً فاعلاً في الانخراط الدبلوماسي الإقليمي والدولي مع دمشق، سواء من خلال الدبلوماسية الانسانية عن طريق تقديم مساعدات انسانية عاجلة أو عبر قنوات الدبلوماسية غير الرسمية ( (Track II diplomacy

ومن شأن مساعدة السوريين، الذين هم في أمس الحاجة إلى الدعم، أن توجّه رسالةً قوية للشعب السوري مفادها أنّ العراق يقف إلى جانبهم، وينبغي للبلدين أيضاً أن يسعيا إلى إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية الثنائية على أسسٍ تقوم على المصالح المشتركة، ففي عام 2010، كان العراق الوجهة التصديرية الأكبر للأدوية السورية ومصنّعات الأغذية والمنسوجات، وفي هذا السياق، قال جهاد اليازجي، رئيس تحرير موقع “سيريا ريبورت” والخبير في الشؤون الاقتصادية السورية، لكاتب هذه المقالة : «على الرغم من تغيّر المشهد الجيوسياسي منذ عام 2010، فإن تركيا وإيران اليوم هما أبرز الشركاء التجاريين للعراق، ومع ذلك، لا يزال هناك هامشٌ لتحسين العلاقات الاقتصادية الثنائية الآن بعد سقوط الأسد، وستكون هناك قوى خارجية مهتمة بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار والاستفادة منها.

ويضيف اليازجي: «لطالما دارت أحاديثٌ على مدى سنواتٍ بشأن إعادة العمل بخط الأنابيب الذي يربط حقول النفط العراقية بالموانئ السورية، فإذا عاد الاستقرار إلى سوريا، فإن هذا الخط سيوفّر مصدراً جيداً للإيرادات للجانب السوري، فضلاً عن كونه طريقاً رخيصاً لتصدير النفط العراقي. أمّا المجال الثالث للتعاون المشترك فيكمن في المشروعات المشتركة لإدارة نهر الفرات وسبل الاستفادة من التجارب الخاصة بالريّ الفعّال للأراضي الزراعية.

تُسهم الدبلوماسية الموازية (Track II diplomacy) بين خبراء عراقيين وسوريين يتمتّعون بوصولٍ جيّدٍ إلى دوائر صنع القرار في بغداد ودمشق، في مساعدة العراق على فهم تصوّرات الحكّام الجدد وغيرها من الجماعات السياسية والطائفية والإثنية ومنظمات المجتمع المدني، وتُوفّر الروابط الاجتماعية والثقافية التاريخية بين الشعبين منصّةً طبيعية للتعاون بين الجامعات العراقية والسورية، ومراكز الأبحاث، والمفكرين، والفنانين، والمجتمعات المدنيّة.

ويمكن لإقليم كوردستان العراق أن يلعب دوراً مهمّاً في استراتيجية بغداد تجاه مرحلة ما بعد الأسد، إذ تربط الأحزاب الكوردية الحاكمة في الإقليم علاقاتٌ متينةٌ مع نظيراتها الكوردية في سوريا. ويتركّز هاجس الكورد السوريين في تأمين استقلالية مناطقهم الكوردية ضمن سوريا موحّدة، والحيلولة دون عودة تنظيم داعش، ولكن الانقسامات الكوردية تعرقل بلورة موقفٍ موحّدٍ تجاه الحكّام الجدد في دمشق، ومع ذلك، فإن اللقاء الأخير في أربيل بين زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي يحمل بوادر أملٍ بإمكانية تشكيل وفدٍ مشترك، كما قدّم الاجتماع الذي عُقد في دافوس بين رئيس وزراء إقليم كوردستان مسرور بارزاني ووزير الخارجية السوري اسعد حسن الشيباني قاعدةً جيدةً لمزيد من الانخراط. أما الشواغل الأمنية العاجلة فتتمثّل في الاشتباكات بين «قوات سوريا الديمقراطية» و«الجيش الوطني السوري» المدعوم من تركيا، وما إذا كانت إدارة ترامب ستواصل دعمها للكورد.

إنّ التحولات الهائلة في الشرق الأوسط أضعفت كثيراً “محور المقاومة” بقيادة إيران. وبناءً على ذلك، يملك العراق فرصةً فريدة لوضع وتنفيذ استراتيجيةٍ تجاه سوريا تتجاوز المخاوف الأمنية المشروعة، وتجعل من استقرار سوريا وإعادة إعمارها أولويةً قصوى للأمن القومي العراقي.

كاوه حسن: هو زميلٌ غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط مركز ستيمسون للابحاث الاستراتيجية ومستشارٌ في شؤون الشرق الأوسط وخبيرٌ في الشأن العراقي لدى وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). شغل سابقاً منصب المدير التنفيذي لـ«ستيمسون أوروبا»، ومدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وزميلٌ كبير، ونائب رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومدير مكتب الاتحاد الأوروبي في «معهد الشرق والغرب» (EWI). وقد قاد هناك عدّة مبادرات في مجال الدبلوماسية الموازية (Track 2 diplomacy )، إضافةً إلى مشاريع بحثية و مناصرة تُعنى بالوساطة وحلّ النزاعات.

المقال منشور على موقع مؤسسة ستيمسون، على الرابط التالي:

https://www.stimson.org/2025/how-iraq-can-support-post-assad-syria/